الحلبي
196
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وكان بينه صلى اللّه عليه وسلم وبين رجل اختلاف في سلعة ، فقال الرجل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : احلف باللات والعزى ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما حلفت بهما قط » ، فقال الرجل القول قولك ، ثم قال الرجل لميسرة وقد خلا به : يا ميسرة هذا نبي ، والذي نفسي بيده إنه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتا : أي في الكتب ، فوعى ميسرة ذلك : أي وقبل أن يصلوا إلى بصرى عيي بعيران لخديجة وتخلف معهما ميسرة ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أول الركب فخاف ميسرة على نفسه وعلى البعيرين ، فانطلق يسعى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره بذلك ، فأقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى البعيرين ، فوضع يده على أخفافهما وعوذهما ، فانطلقا في أول الركب ولهما رغاء . قال : وفي الشرف أنهم باعوا متاعهم ، وربحوا ربحا ما ربحوا مثله قط . قال ميسرة : يا محمد اتجرنا لخديجة أربعين سنة ما ربحنا ربحا قط أكثر من هذا الربح على وجهك انتهى . وأقول : لا يخفى ما في قول ميسرة : اتجرنا لخديجة أربعين سنة ، ولعلها مصحفة عن سفرة ، أو هو على المبالغة ، واللّه أعلم . ثم انصرف أهل البعير جميعا راجعين مكة ، وكان ميسرة يرى ملكين يظللانه صلى اللّه عليه وسلم من الشمس وهو على بعيره إذا كانت الهاجرة واشتد الحر ، وهذا هو المعنى بقول الخصائص الصغرى : وخص صلى اللّه عليه وسلم بإظلال الملائكة له في سفره . ويحتمل أن المراد في كل سفر سافره ، لكن لم أقف على إظلال الملائكة له صلى اللّه عليه وسلم في غير هذه السفرة . وقد ألقى اللّه تعالى محبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قلب ميسرة ، فكان كأنه عبده ، فلما كانوا بمرّ الظهران : أي وهو واد بين مكة وعسفان ، وهو الذي تسميه العامة بطن مرو ، وهو المعروف الآن بوادي فاطمة . قال ميسرة للنبي صلى اللّه عليه وسلم : هل لك أن تسبقني إلى خديجة فتخبرها بالذي جرى ، لعلها تزيدك بكرة إلى بكرتيك : أي وفي رواية : تخبرها بما صنع اللّه تعالى لها على وجهك ، فركب النبي صلى اللّه عليه وسلم وتقدم حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية : أي في غرفة مع نساء ، فرأت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين دخل وهو راكب على بعيره وملكان يظللان عليه ، فأرته نساءها فعجبن لذلك ، ودخل عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فخبرها بما ربحوا ، وهو ضعف ما كانت تربح ، فسرت بذلك وقالت : أين ميسرة ؟ قال : « خلفته في البادية » ، قالت : عجل إليه ليعجل بالإقبال وإنما أرادت أن تعلم أهو الذي رأت أم غيره ؟ فركب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وصعدت خديجة تنظر فرأته على الحالة الأولى ، فاستيقنت أنه هو . فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت ، فقال لها ميسرة : قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام ، وإلى ذلك أشار الإمام السبكي رحمه اللّه في تائيته بقوله :